ازداد النقاش استعارا خلال الأسابيع القليلة الماضية، حول التحركات التي تقوم بها الكثير من النخب الجزائرية ومن المثقفين ومن المهتمين، من أجل إجبار فرنسا على الاعتراف بجرائمهما الكولونيالية فوق الأرض الجزائرية على امتداد العقود الطويلة للمرحلة الاستعمارية الممتدة بين سنتي 1830 و1962. وإذا كنا لا ننوي –في هذا المقام- الخوض في تداعيات هذا الموضوع على مجمل العلاقات الفرنسية الجزائرية الراهنة، فإن الأمر أضحى يثير نقاشا مضطردا بين المهتمين بالمغرب، من أجل إعادة تقليب صفحات الاحتلال الاستعماري الفرنسي والإسباني لأجزاء واسعة من بلاد المغرب خلال العقود الأولى من القرن 20.
لقد ترك الاستعماران الفرنسي والإسباني لبلاد المغرب، ندوبا لا تندمل بالتناسي، وجرائم لا تغتفر بالالتفاف الديبلوماسي اللبق، وحقوقا لا تسقط بالتقادم. في هذا الإطار، أصبح من المشروع توسيع دوائر المطالبة بإعادة قراءة صفحات التاريخ الاستعماري والإسباني ببلاد المغرب، ليس بهدف تحريك المواجع، ولكن –أساسا- بهدف إعادة قراءة تاريخنا المشترك مع فرنسا وإسبانيا، بمآسيه وبآلامه وبإفرازاته، وقبل كل ذلك، بامتداداته العميقة التي لازالت ترخي بظلالها على الواقع الراهن للمغرب، دولة ومجتمعا وقيما ومسارا ومستقبلا.
لا يمكن، في هذه العجالة، حصر كل جرائم الاستعمار ببلاد المغرب. ولا نستطيع التوثيق لكل مطالب الضحايا، ولا نستطيع الترافع لتحقيق هذه المطالب، لاعتبارات شتى، لعل أهمها مرتبط باستمرار ثقل تراكم الماضي الاستعماري جاثما على انتظارات الراهن وعلى توجيه دوائر التحرك والفعل والمبادرة. ومع ذلك، فلابد من الاعتراف أن المدخل الأساسي لفتح منغلقات الحقبة الكولونيالية، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد إجبار المعتدي على الاعتراف بجرائمه كمقدمة لتقديم الاعتذار ولترتيب الجزاءات المعنوية والسياسية الضرورية.
ارتكبت فرنسا وإسبانيا جرائم حقيقية في حق المغرب والمغاربة خلال المرحلة الاستعمارية وقبلها بسنوات طويلة سابقة عن تاريخ فرض نظام الحماية يوم 30 مارس من سنة 1912. ويمكن أن نستشهد في هذا الإطار، على سبيل المثال لا الحصر، بما وقع في معركة إيسلي سنة 1844 عندما توغل الفرنسيون في عمق التراب المغربي، وألحقوا هزيمة كبيرة بالمغاربة، عقابا لهم على مساندتهم للمقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري. وفي سنة 1859، أعاد الإسبان نفس الأمر وهم يحتلون مدينة تطوان بعد أن سحقوا الجيش المغربي، عقابا للمغاربة عن الأدوار الجهادية التي كانت تقوم بها قبيلة أنجرة في محيط مدينة سبتة. وفي سنة 1901، توغلت القوات الفرنسية نحو الجنوب بقيادة كزافيي كوبولاني لتقتطع منطق شنقيط من الدولة المغربية، بعد أن اقتطعت مناطق واسعة بالصحراء الشرقية مثل كورارة وتيدكلت وتوات، ولترتكب جرائم تهجير للسكان وإعادة توطين للحدود، بكل يخدم مصالحها الاستعمارية، مما خلق مآسي حقيقية لازالت ترهن واقع المنطقة إلى يومنا هذا.
وفي سنة 1907، ارتكبت فرنسا مجزرة حقيقية وهي تقصف المدنيين العزل بمدينة الدار البيضاء، قبل أن ترتكب مجازر وحشية في حق قبائل منطقة الشاوية مثل أولاد حريز والمذاكرة وأولاد سعيد وأولاد بوعزيز ومزاب، ثم في حق سكان مدينة وجدة ونواحيها، مما أدى إلى نجاح الفرنسيين في ترسيخ احتلالهم العسكري المباشر لكل منطقة الشاوية ومنطقة المغرب الشرقي. وبعد فرض نظام الحماية، انطلقت “حروب التهدئة” التي شنتها فرنسا ضد المقاومة المغربية وضد قياداتها الوطنية الكبرى، مثل أحمد الهيبة ماء العينين بالجنوب، وموحا أوحمو الزياني بالأطلس المتوسط، وموحا أوسعيد بنفس المنطقة، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي بمنطقة الريف، وعسو باسلام بمنطقة الأطلس الكبير. في هذه الحروب الاستعمارية، استعملت فرنسا كل الأسلحة الفتاكة التي تم تطويرها خلال الحرب العالمية الأولى، ولم تتردد حليفتها إسبانيا في قصف شمال المغرب بالأسلحة الكيماوية الفتاكة التي لازالت آثارها قائمة إلى اليوم، تشهد على جرائم الاستعمار في حق الإنسان والشجر والحجر والماء…
وإلى جانب الضغط العسكري المباشر، وإنهاك المقاومة وعموم المغاربة بالتجويع وبالحصار، اعتمدت فرنسا وضع محاكم عسكرية صورية لتصفية رجال المقاومة، وخاصة خلال خمسينيات القرن الماضي عندما اندلعت الموجة الثانية لحركة المقاومة المسلحة في الظروف التاريخية المعروفة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل لجأ الفرنسيون والإسبان إلى وسائل خطيرة لتفكيك مقومات الوجود المغربي، مما يمكن اعتباره جرائم ضد الإنسانية، من قبيل توريط المغاربة في حروب لم تكن تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، مما شكل آلة ماكرة لحصد أرواح كثيرة لمغاربة أبرياء لم يكونوا معنيين –إطلاقا- بما كان يقع فوق أراضي القارة الأوربية من صراعات ومن هواجس استعمارية، مثلما هو الحال مع المغاربة الذين ألحقتهم فرنسا بقواتها العسكرية خلال الحربين العالميتين، أو المغاربة الذين وظفهم الجنرال فرانكو ضد أعدائه الجمهوريين المعروفين ب”الروخوس” خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي امتدت بين سنتي 1936 و1939، أو مع المغاربة الذين ورطتهم فرنسا في حروبها الاستعمارية بالهند الصينية،…
ومن جانب آخر، استهدف الاستعمار الفرنسي والإسباني نهب خيرات المغرب وثرواته الطبيعية، مما أدى إلى دفع الثمن باهضا، بانتشار المجاعات والأوبئة والأمراض، بل ووجد المغاربة أنفسهم عاجزين عن توفير حاجياتهم الغذائية، مثلما هو الحال مع السنة التي خلدتها الذاكرة الجماعية للمغاربة باسم “عام البون”، حيث عمت المجاعة بشكل مطلق، بعد أن قامت فرنسا بتوجيه الإنتاج الفلاحي نحو تلبية الحاجيات الأساسية لفرنسيي الميتروبول، مما أدى إلى اختفاء الغذاء من السوق المغربية، وإلى عودة المغاربة للاعتماد على وسائل التغذية البدائية “الفطرية” لحل هذا المشكل. وفي نفس السياق كذلك، يمكن أن نحيل على الاستغلال البشع للموارد الاقتصادية الطبيعية المرتبطة بالصناعة، مثل الفوسفاط والحديد والنحاس، ثم الموارد البحرية، إلى جانب التنكيل المتواصل باليد العاملة الفقيرة التي أجبرت على التكدس بأحياء الصفيح الفقيرة، في شروط تنعدم فيها أدنى مستويات احترام كرامة البشر.
لقد استغل الاستعمار ما استطاع استغلاله، وقتل ما استطاع قتله من المغاربة، ومارس أقسى مظاهر الظلم والقهر في حق من نجا من مشانق المحاكم العسكرية، ومع كل ذلك، خرج غانما ومرتاحا ومطمئنا، خاصة بعد أن وضع الكثير من الأسس التي ضمن –من خلالها- استمرار تبعات الاحتلال الاستعماري قائمة في صلب الدولة والمجتمع في الكثير من المجالات الاقتصادية والثقافية واللغوية والسياسية، الأمر الذي ساهم في تكبيل عجلة التغيير في بلادنا، وفي دفع الثمن باهضا خلال مرحلة الاحتلال المباشر، ثم خلال مرحلة ما بعد حصول البلاد على استقلالها السياسي.
الآن، والآن فقط، يجب أن نعود لمحاسبة فرنسا وإسبانيا على جرائمهما ببلادنا، بدءا من جرائم تمزيق وحدة المغرب وسلخ أجزاء واسعة من أراضيه، ومرورا بعملياتهما العسكرية ومجازرهما التي خلفت ضحايا أبرياء لازالوا ينتظرون الإنصاف، سواء بالنسبة لمن قتلوا أثناء “حروب التهدئة”، أم بالنسبة لمن استغلوا في الحروب الاستعمارية الفرنسية وفي الحرب الأهلية الإسبانية، أم بالنسبة للذين أجبروا على “الانتحار البطيء” في ظل سياسة التنكيل الاستعماري ذات التلاوين المتعددة.
إنها قضية مبدأ، وقضية وجود، وقضية كرامة، ثم قضية مستقبل. ففرنسا وإسبانيا أجرمتا في حق المغرب والمغاربة، ومن الواجب عليهما تصحيح أخطائهما، لتحقيق التصالح التاريخي والعادل المنشود مع الذاكرة المشتركة للشعبين المغربي والفرنسي من جهة، وللشعبين المغربي والإسباني من جهة ثانية.
أسامة الزكاري









































































PDF 2025

