جامع العيون وأصل منبره:
يعود تأسيس جامع العيون إلى أوائل القرن الحادي عشر الهجري، على يد أحد رجالات تطوان في الصلاح، سيدي علي بن مسعود الجُعيدي، وقد أصبح الجامع منذ إنشائه معلمًا من معالم المدينة الروحية.
أما منبره، فلا يمكن الجزم أنه هو الذي وُضع منذ البناء الأول، غير أنّ المتيقّن منه، أنّه كان على عهد الإمام الحراق خطيب مسجد العيون، وقد ارتبط بالمسجد ارتباطًا وثيقًا، وصار ركنًا من أركانه، وذاكرةً من ذاكرته، وعنوانًا من عناوين مجده.
أعلام ارتقوا المنبر:
لقد كان منبر جامع العيون شاهدًا على خطباء أجلاء وعلماء أفذاذ، ارتقوا درجاته وأسمعوا الناس مواعظهم. ومن أبرزهم:
1- الإمام الحراق، الذي تولى الخطابة في هذا الجامع، وهناك أصابته الواقعة المشؤومة التي ذكرها مؤرخو تطوان، فمرض على إثرها مرضًا شديدًا كاد أن يودي بحياته، فأنشد قصيدته الشهيرة، يستشفع فيها بجاه المصطفى صلى الله عليه وسلم:
أمحمد إنّي بجاهك عائذ ** مما عرى جسمي من الضّراء…
ثم تعاقب عليه خطباء وعلماء أجلاء، حمل كل واحد منهم أمانة البلاغ المبين، ومنهم:
2- الفقيه محمد بن محمد بن عبد الوهاب الحسني العلمي.
3- الفقيه المفتي القاضي محمد بن علي عزيمان.
4- محمد بن محمد بن عبد السلام أخريف.
5- الفقيه العلامة أحمد الرهوني.
6- صهره الفقيه أحمد اللواجري.
7- الفقيه الوزير مولاي الصادق الريسوني.
8- العلامة محمد (الولي) بن عبد الصمد التجاني.
9- العلامة محمد بوخبزة رحمه الله، الذي ارتقى هذا المنبر من عام 1958 إلى 2001.
لقد اجتمع هؤلاء جميعًا على غاية واحدة: أن يُبلّغوا الناس دينًا متينًا ونصحًا مبينًا، وأن يكون المنبر لسان الحق في مدينة تطوان.
رحلة المنبر في الزمان والمكان:
لكن المنبر، شأنه شأن الإنسان، عرف رحلة طويلة بين الأمكنة، كأنما قُدّر له أن يحمل ذكرى كل محطة. ففي عام 1976 تقرر إغلاق جامع العيون لإصلاحه، فتم هدمه كليًا وإعادة بنائه، ما عدا الأسوار المحيطة به وصومعته الفريدة – وهي من بناء أحد معلمي مراكش المهرة – والمقصورة التي ارتبطت بذكرى الشيخ الحراق.
حينها أُخرج المنبر ونُقل إلى جامع السوق الفوقي، فبقي مدة في انتظار استكمال الإصلاح. ثم انتقل إلى المسجد الذي بناه الوجيه المحسن الحاج الطيب بوهلال رحمه الله بكيتان (ظاهر تطوان)، بعد أن أذن ناظر الأوقاف السيد مُحمد العربي بن الحاج امحمد بنونة بالاستفادة منه، فظل فيه مدة.
ولمّا بلغ خبره بعض أفراد آل الحراق وعرفوا قصته وتلمّسوا فيه أثر جدهم، أرجعوه إلى الزاوية الحراقية، وظلّ محفوظًا مكرّمًا بها، ومنها انتقل إلى متحف لوقش بالغرسة الكبيرة بتطوان حيث مثواه الأخير، وما يزال قائمًا به إلى اليوم، يروي حكاية غابر الأزمان، ويحمل ذاكرة أمة ومدينة في صورة ناطقة من صور امتزاج الدين بالفن، والتاريخ بالروح.
بقلم: د يونس السباح









































































PDF 2025

