الاستدلال غير المنسجم
بفقده كل مرفأ على أرض الواقع، فإن الحجاج لم يكترث لا بالانسجام ولا بوحدة في تأكيداته، فإنه يرفض مبدأ التعارض إن على مستوى الفضاء أو على مستوى الزمن. ويمكن لشيء ما أن يكون متناسقا مع ضده. وهكذا، وعد غيبلزGoebbels بإمكانية رفع ثمن الحبوب في البادية وتخفيض ثمن الخبز في المدينة في الوقت نفسه. وكانت الدعاية الهتليرية ضد الديمقراطية في عام 1936 ومع الديمقراطية في عام 1943. إن خطاب الدعاية قد يقدم على انحرافات ويسقط في تناقضات من غير أن يفقد مصداقيته أو يفقد فعاليته لأنه قضى على كل إمكانية للفكر النقدي، وأصبح الإنسان، وسط الجماهير، ملتصقا في النظام، ويكون مستعدا لتنفيذ فعل يناقض قناعاته من دون إبداء حركة.
لم يكن الخطاب الفاشي منبثقا من مقدمات مترابطة مؤيدة بشواهد، ولكنه مبني على تجاور عبارات لها تقارب وحيد يفترض أنه رابط منطقي. ويجمع “أفكار أو صور” اللقاء التي توصل الواحدةُ بالأخرى على قاعدة مؤشرات سطحية: “لقد تحدثت مع جاسوس، إذن أنت جاسوس”. لا يوجد رابط منطقي للمماثلة أو التسلسل يصل بين هذه “الأفكار- الصور”. « إن الجماهير لا يُستثار شعورها بالمنطق الذي يحمله خطاب ما، ولكن يتأجج كثيرا بالصور العاطفية التي توَلِّدُها بعض الكلمات و توليفها»([1])، حسب ما كتبه أحد رواد سوسيولوجيا الجماهير، غوستاف لو بون Gustave Le Bon.
تبسيط
أخيرا، إن الخطاب الشمولي هو خطاب مبسّط، وقطعي، ومتكرر ومانَوي (نسبة إلى ماني صاحب المذهب المانوي الفارسي الذي يقوم على صراع الخير والشر). لقد رأينا بأنه مبسط على مستوى التعبير فيما يخص دواعيه ومعجمه، مستبعدا كل حجاج ومدليا بتحليلات متباينة أو دقيقة. كتب هتلر في كتابه “كفاحي” Mein Kampf : « يجب على كل دعاية أن تبني مستواها الفكري حسب قدرة الفهم لدى الأقل ذكاء من بين الذين تتوجه إليهم.»
1 . التأكيدات القطعية و المبالغ فيها ( الحشوية)
إن أحد النوابض الأساسية للدعاية هو التأكيد الواضح والنهائي، والتي لا تشكل، في حد ذاتها نسخة لموقف ما. وكلما كانت الدعاية مختصرة وحازمة، زادت سلطة التأكيد. « يجب أن تكون مختصرة، تبث الحيوية وتكون مذهلة([2])».« باعتباره خطيبا، لم يحاول هيتلر، أبدا، أن يثبت ما كان يقوله؛ كان يؤكد، فقط، ليؤجج المشاعر([3])» فالتصريح يقنع بطبيعته/ بسمته القطعية. قال نيتشةNizetsche:« يعتقد الناس في حقيقة كل ما يشكل بوضوح موضوع إيمان متين.»([4])
إن المنطق التأكيدي للخطاب والتنكر لكل عقلانية يفسر تضاعف/ تفشي الإطناب. وهكذا صرح لينين في المؤتمر الثالث للكُومْسُومولKomsomol في سنة 1920: « إننا نرفض الانصياع لأي قيم أخلاقية قُررت خارج المنظور الإنساني أو المنظور الطبقي. نقول إنه خداع، ونصب واحتيال، واستغفال للعمال والمزارعين لمصلحة المُلاك والرأسماليين.(…) ونوضح هنا لماذا: بالنسبة لنا كل قيمة أخلاقية مقررة خارج المجتمع الإنساني لاوجود لها: إنها مجرد خدعة.([5])»إن هذا الهُراء لا يبين شيئا/ لا يبرهن على شيء. فالتعبير ” نوضح هنا لماذا” voilà pourquoi يعطي مظهرا لاستدلال لما هو ليس إلا إطنابا مبتذلا.
2 . التكرار المتواصل
بعد التأكيد القطعي، يكون الشرط الثاني للدعاية الجيدة هو التكرار الدؤوب للمواضيع الرئيسة للمذهب، بأشكال مكيفة حسب تنوع الجماهير وبطريقة متنوعة قدر الإمكان لتجنب أي إرهاق. « لن تتذكر الجماهير الأفكار الأكثر بساطة إلا إذا كانت مكررة مئات المرات»، هذا ما نقرأه في “كفاحي”. وكانت خطابات ستالين وهيتلر تردد دائما المواضيع نفسها.
إن للتكرار تأثيرات رهيبة:
1/ في المقام الأول، فهو يبني ستارا ضد كل تأكيد/ تصريح مضاد.
2/ بعد ذلك، بكثرة ترديده في كل مكان، وعلى كل لسان، فإن الخطاب ينفصل عن مؤلفه، ويكتسب حياته الخاصة، وحقيقة مستقلة، ويتحول إلى برهان لا شخصي. والنتيجة: « مع مرور الوقت، ننسى المؤلف صاحب التصريح، وننتهي بتصديق الخطاب.([6])»
3/ إن التكرار يوهم بوجود نسق مع الفكر، كما أن التجميعات المتكررة للتأكيدات المتفرقة تُوَلِّد مظهرا لتسلسلٍ منطقي، وتوهم بوجود نظام منسق/ مرتب.
4/ في الأخير، إن الشيء المكرر، ينتهي « بأن يستوطن بالمناطق العميقة للاشعور التي تتولد فيها بواعث أفعالنا([7])».
للتأكيد والتكرار مفعولُ إيحاءٍ ووباءٍ جماعييْن قوي جدا. بل إن التكرار يصيب الاستدلال بالذهول ويحول بسرعة فكرةً إلى فعل.
3 . المذهب المانوي و المزج (amalgame)
وفي الأخير، إن الخطابات المتطرفة تنحدر كلها من مانوية عتيقة، وتختزل المشاكل: التناوب الثنائي بين مصطلح ونقيضه: حسن/سيء، خالص/غير خالص، قوي/ضعيف، وطني متعصب/بولشيفي، آري/يهودي، إلخ. وتُرجع كل المسائل إلى مغالطة المأزق المفتعل / مغالطة الإحراج الزائف، حيث لا وجود للوسط / لموقف وسط، بل هناك فقط نقائض. وهذا يعني أن بسيكولوجيا الجماهير هي في الحقيقة ثنائية: ما ليس بأبيض فهو أسود، وما لم يُخْسر قد كُسِب. يهيمن هنا قياس مُغالط: التوسل بالمجهول أو قياس مغالطة عبء الإثبات. Paralogisme adignorantiam
يصل امتداد المانوية إلى اللغة نفسها، كما يصور ذلك جورج أورويل، مع التحدث الجديد لأقيانوسيا (le Newspeak d’Oceanie).ففي الثنائيات ذوات المصطلحات المتضادة، يُعَوَّض أحدُهما بمصطلح نقيض في حالة نفي مكونة بفضل المعَيَّن “ un“. وهكذا بالنسبة للثنائي good/bad (bien/mal)(حسن/سيء)، سنحصل على ungood (inbon) عوض bad (سيء)، و في horrible سوف نقول doubleplusungood (deux fois plus inbon)(مرتين أكثر سيء). بالإضافة إلى ذلك، كما يفسره أوليفيي روبولOlivier Reboul، « في اللغة الحالية، نفْـيُ نفْـيٍ لا يؤدي بالضرورة إلى الإيجاب الأساسي: ليس لطيفا يعني شريرا (ce n’est pas gentil signifie c’est méchant ) ولكن، ليس شريرا لا يعني لطيفا (ce n’est pas méchant ne signifie pas c’est gentil) ». إن حذف أحد المصطلحات، هو:« بمثابة محو كل وسيط بين نعم و لا، الأبيض والأسود، الصديق والعدو: وهذا يعني حجز الفكر في المانوية([8])».
قُسِّم العالم إلى معسكرين متناقضين/ متنافرين، كل واحد منهما يوصف بمصطلحات جد مبالغ فيها: فهتلر يحسب نفسه المخَلِّص للشعب الألماني، وستالين يعد نفسه الأب الأصغر للشعوب، بينما العدو هو حشرات طفيلية يجب إبادتها، وكل ما يقوله هذا الأخير (العدو) هو مسبقا فاقد للمصداقية. ويصبح حجاج مغالطة الشخصنة/ مغالطة القدح الشخصي مستعملا بشكل مفتوح (بلا تحديد).
يعبر الصراع بين هذين المعسكرين عن نفسه باستعمال استعارات عسكرية: الجبهات، المعارك، المقاومات، الاقتحامات، استراتيجية، تاكتيك،…فموضوع الدسيسة، إذن، حاضر أبدا. وليحافظ الديماغوجي على أتباعه في حالة غليان دائم يقوم بالتنديد دائما وبشكل متواصل بمؤامرة منظمة من لدن خصوم وهميين أقوياء. وكانت الدعاية البولشيفية تلوح بمؤامرة التروتسكيين، بعد ذلك بالمؤامرات/ الدسائس الامبريالية للجواسيس الأمريكيين والبريطانيين، إلخ.
في كل الحالات، لا وجود لعدو واحد ووحيد فقط، وهذا انتصار للمِلغم/ للمزيج ذي المكونات غير المتجانسة (مزج أنواع مختلفة ومتعددة من الأفكار أو طبقات المجتمع) :يميز النازيون الواحد من الآخر والمصالح المالية والعالمية و البولشيفية (المذهب البولشيفي).” تتجلى عبقرية قائد عظيم، كما كتب هتلر، في أن يدعهم يسمعون دائما بأن أعداء، وإن كانوا بعيدين عن بعضهم البعض، هم من طينة واحدة، و بما أنه بالنسبة للضعفاء والمترددين، عند معرفتهم بأنهم أعداء مختلفون سيوقظ فيهم بسهولة شكّاً بخصوص عدالة قضيتهم.”([9])
تهيِّىءُ المانوية المصطلحات الخاصة بلغة الخشب حسب حقل مغناطيسي، معطية قيمة إيجابية لكلمات وسلبية لأخرى، وتعوض القيمة المعنى. وفي الخطاب الشيوعي، يعبر عن مفهوم واحد بكلمات مختلفة حسب استعماله لتوصيف الامبرياليين أم الاشتراكيين. لقد نبَّهت فرانسواز طوم Françoise Thom إلى أن الروس كانوا يتكلمون عن »غزو « الفضاء (zavoevaniekosmosa) حين كان يتعلق الأمر بالأمريكيين، ولما كان الأمر يتعلق بالسوفييت كانوا يتكلمون عن » تنمية« الفضاء (evojeniekosmosa). وقد نتج عن ذلك تعميم علم القيم. وإذا حافظ مصطلح ما على حياديته، أُلصِق به مباشرة نعتٌ يدفعه من جانب أو من آخر: وعلى سبيل المثال؛ “الغزارة” أصبحت ” الغزارة الكلخوزية. وأصبح كل تصريح يتضمن حكم قيمة، وأصبح كل عرض موجَّها. وأضحت اللغة مسؤولة عن العدوانية.
[1]Le Bon, La psychologie politique, cité par Serge Moscovici, op. cit., p. 195
– لو بون، البسيكولوجيا السياسية، ذكره سرج موسكوفيتشي، مرجع مذكور، ص. 195.
[2]– Ibid., p. 196
[3]– EnrstHanfstaengl, cité par Woods et Walton, op. cit., p. 67-إرنستهانبشتينغل، ذكرة وودز و والطْن، مرجع مذكور، ص. 67 /
[4]– Cité par J.-P. Stern, Hitler, le Führer et le peuple, Paris, Flammarion, 1985, p. 62.
– ذكره ج.-ب.شتيرن، هيتلر، الفيهرر والشعب، باريس، فلاماريون، 1985، ص. 62
[5] – Cité par Françoise Thom, La langue de bois, op.,cit., p. 85/- ذكرته فرانسواز طوم، اللغة الخشبية، مرجع سابق، ص. 85
[6]– Gustave Le Bon, Psychologie des foules, cité par Serge Moscovicci, op.,cit., p. 198.
-غوستاف لوبون، بسيكولوجيا الحشود، ذكره سيرج موسكوفيتشي، مرجع مذكور، ص. 198.
[7]– Ibid المرجع السابق نفسه
[8]– Olivier Reboul, Langage et idéologie, Paris, PUP, 1980, p. 177
– أوليفيي روبول، لغة و إيديولوجيا، باريس، بيب (PUP)، 1980، ص. 117
[9]– Mein Kampf, cité par Stern, op.,cit., p. 116 / كفاحي، ذكره ستيرن، مرجع مذكور، ص. 116
د. عبد الواحد التهامي العلمي










































































PDF 2025


