يمكن تصنيف” صيف الوصل بالأندلس“([1]) في إطار كتب الأدب العامة، إذ جمع بين أكثر من جنس تعبيري، أدب الرحلة، اليوميات، السيرة الذاتية، التاريخ التصوف… واستطاع المؤلـَّف بهذا التنوع الخلاَّق أن يثري معرفة المتلقي فضلا عن إمتاعه.
وقبل الولوج إلى عوالم النص وسبر أغواره؛ وجب الوقوف على بعض عتباته ومشيراته الخارجية المغرية للقارئ، وفي مقدمتها العنوان (صيف الوصل بالأندلس). فهو من الناحية التركيبية جملة اسمية، حذف مبتدؤها والمقدر بـ “هذا”، وخبرها “صيف” وهو مضاف، و”الوصل” مضاف إليه، و”بالأندلس” جار ومجرور متعلق بالمصدر “الوصل”.
أما من الناحية الدلالية فيشير العنوان إلى الزمن؛ وهو فصل الصيف الذي يحمل معنى العطلة والراحة والسفر إلخ. كما يحيل على المكان” الأندلس“، وهي الوجهة التي يقصدها الراحل مبينا العلاقة العاطفية والوجدانية بينه وبين المكان المستقبل له في لفظ “الوصل“.
ولا يفوتنا أن نعرج على لفظ العنوان التذييلي “سفر الدهشة” الذي زاد العنوان إثارة وجاذبية لانتباه المتلقي، وجعله يتشوق أكثر لقراءة الكتاب كي ينال حقه من الدهشة الواردة فيه.
وإذا انتقلنا إلى المؤلِّف فهو “عزيز الشدادي” أستاذ اللغة الفرنسية بالقنيطرة، وضع اسمه على الغلاف بحجم أصغر من عتبة العنوان لأن الهدف هو عرض عمله الجديد الذي انضاف إلى أعماله السابقة؛ حيث سبق له أن أصدر ثلاث روايات بالفرنسية ورواية بالعربية. وهو ما يعني أن الكاتب قد خلف بصمته في الحقل الأدبي وخاصة في جنس الرواية. فالمجال ههنا لتسليط الضوء على عمله الجديد، وليس مجالا لإبراز شخص المؤلِّف.
والجديد في الكتاب هو مضمون التقديم وعنوانه الذي حمل اسم “توشية” وهو اسم مرة من مصدر “وشى” ويقال “توشية الثوب”: أي تحسينه بالألوان، ونمنمته، ونقشه. مما يجعلنا نستنتج أن المؤلِّف جعل المقدمة نقشا أوليا لكتابه. فنجده في هذا التقديم يصنف أنواع المدن (مدن رائعة، حزينة، مغرية، تافهة، دافئة، تائهة، محيرة، قاتلة). وعند مطالعتي لهذه التوصيفات المحددة لماهية علاقة الراحل بهذه المدن ربطت ذلك بما يسمى بشعرية المكان/ الفضاء في جنس الشعر حيث إن المدينة كانت من المواضيع المتغنى بها في القصائد. فهناك من الشعراء، من عبر عن تعلقه بمدينته واصفا جمالها، وهناك من رثاها بعد ما ألحق بها من دمار بفعل الحرب، وهناك من عبر عن غربته في مدينته بعدما تغيرت ملامحها في العصر الحديث واختفت بعض معالمها الحضارية…
لم يكن هذا التقديم سوى مدخل يبرز طبيعة العلاقة الوجدانية والعاطفية التي أكنَّها الكاتب للمدن التي زارها أو كان يتوق إلى زيارتها منذ زمن لكونها تشهد على حضارة مميزة ومرتبطة بهويته وخصوصيته الثقافية حضارة انطلقت في عهد المولى “يوسف بن تاشفين” من المغرب إلى إسبانيا وبالضبط الأندلس التي سميت في عهده بالإمبراطورية الإسلامية.
بعد قراءتي لفصول الكتاب، لاحظت دقة الكاتب في تحقيق التوازن بينها من حيث الكم والكيف. وكل فصل وضع له عنوانا مطرزا بعبارة أشبه بالترنيمة الأندلسية التي تتغنى بالحب والجمال وتنحو منحى صوفيا. وإذا قمنا بإحصاء المفردات الموظفة فيها، وتصنيفها، نجدها تتوزع إلى حقلي الحب والجمال:
- حقل الحب: حبكم/ رقَّ /منية القلب/ اشتياق/ قرة العين…
- حقل الجمال: الجميل/ حسنه فريد/ البدر/ مليح…
الفصل الأول: “يَفْنَى الزَّمانُ وَحُبُّكُمْ يَتَجَدَّدُ”؛ يحكي فيه المؤلِّف ظروف السفر وعشقه له.
الفصل الثاني: “سَادَتِي مَا لِي ذَنْبُ”؛ يبين فيه أنه انتقل في رحلة إلى الأندلس، ليفتح عينيه على الجغرافيا الحديثة، وليس ليبكي على الأطلال.
الفصل الثالث: ” أَبْرَزُوا وَجْهَكَ الجَمِيلَ”؛ يصف المؤلِّف ركوبه البحر على ظهر الباخرة ووصوله إلى ميناء الجزيرة الخضراء معلنا أنه مكان نهاية هجرة وبداية هجرة أخرى.
الفصل الرابع: “جِسْمي نَحِيلٌ قَدْ رَقَّ” يصف فيه أناقة الأندلس والأندلسيين ويخوض مغامرة المقارنة بين ” الهُنا” الأندلس و”الهُنَاك” بلد الانتماء.
الفصل الخامس: “جُلْ تَرَ الْمَعَانِي” في هذا العنوان نلاحظ استعمال المؤلِّف أسلوب الأمر المجازي الذي يحمل معنى الحض والتحفيز على القيام بجولة لتر ى معاني الحياة الحقيقية حيث تتجلى الكرامة الإنسانية. وهذا العنوان إشاري المبنى وصوفي المعنى؛ يجعل من الجولان عبادة تُجلِّي الرؤيا وتكشف حقائق المعاني ودقائق الوجود وجواهره.
الفصل السادس: “هَذِهِ حَضْرَةُ السُّرُورِ” هنا نلمس انتشاء وفرح الكاتب بالنظام السائد بالأندلس والذي يجعل الزائر يستمتع بما ينظر إليه.
الفصل السابع: “يَا مُنْيَةَ الْقَلْبِ مَهْلاً” استهل هذا العنوان بالنداء “يا منية” وانتهى بالأمر الممثل في المصدر النائب عن فعل الأمر “مهلا” الفعل هو ” أمهلني” وهو أيضا أمر غير حقيقي يحمل معنى الالتماس والاستعطاف، إذ ينادي على الأندلس ويلتمس منها أن تمهله بُرْهة ليأخذ نفسه من صدمات الدهشة والانبهار بجمالية ” إشبيلية” و “خِيريزدي لا فرنتيرا”.
الفصل الثامن: “يَا مَنْ هُوَ فِي حُسْنِهِ فَرِيدُ” يبين الكاتب في هذا الفصل تفرد إشبيلية بجمالها، خضرة شوارعها، وما صنعته المخلوقات بهذه المدينة.
الفصل التاسع: “آهٍ عَلىَ سَاعَةٍ جَادَ الزَّمَانُ بِهَا” هنا يتحسر الكاتب خصوصا عندما يقارن بين” الهنا” و” الهناك”. يتساءل بمرارة عن سبب إزهار الياسمين وتضويعها الفضاء عطرا منذ قرون، بينما لا يزهر الياسمين في حدائقنا؟! واعجباً؛ إن أندلس التاريخ أجمل، لكن أندلس الجغرافيا أحلى!
الفصل العاشر: “يَا مَنْ عَلَى الْمِلاَحِ تَوَلَّى” في هذا الفصل وصل المؤلِّف إلى قرطبة، ودخل فندقا بملامح أندلسية صرفة، وناقش رمزية المفتاح الذي قدمته له ” كارمن” صاحبة الفندق وكأنه أمانة تركها له جدٌّ مُتَأَخِّر سبق له أن مرَّ من” الهنا” من قُبَيْلَلِ!
الفصل الحادي عشر: “اَلْعُودُ قَدْ تَرَنَّمَ” هنا يتساءل المؤلِّف عن سبب سماعه تقسيما على آلة العود عندما دخل قرطبة التي كانت مهوى العقل ومثو ى الفؤاد للملك الشاعر “المعتمد ابن عباد” وكذا مهوى قلب “ابن زيدون” ومهوى عقل ” ابن رشد” وأيضا نجده هنا يناقش رمزية العود وارتباطه بالذاكرة العربية، حيث يستحضر الموسيقي العربي المشهور “زرياب”.
الفصل الثاني عشر: “بُعْدُكُم زَادَنِي اشْتِيَاقًا” الاشتياق هنا يكشفه الصراع الداخلي الذي انتاب الكاتب عندما تذكر مدن الشمال في ” الهناك” وهو يتجول بقرطبة مُبَيِّنا ً الشبه الحاصل بين مدن البحر الأبيض المتوسط.
الفصل الثالث عشر: “اليَوْمُ يَوْمٌ أَغًرُّ “في هذا اليوم استقبلت الكاتب رائحة العطر التي تفوح من أزقة قرطبة كل ملمح وملحظ بها يعبق منه أريج التاريخ فتحول إلى مزار فهي مدينة تضوع منها روائح زكية تمازج فيها التاريخ والعلم والفلسفة والخط والوراقة والعمارة.
الفصل الرابع عشر: “يا قُرَّةَ الْعَيْنِ ماًلَكِ؟! إن وجود المساجد إلى جانب الكنائس وتغير أسماء المساجد بالكاتدرائيات شوش على مفهوم “التعايش” عند المؤلِّف، واستنتج أن في قرطبة يتجسد شعار واحد: “الماضي للزيارة والذكرى، والحاضر للصلاة”.
الفصل الخامس عشر: “ثُمَّ ناًدُوا: مَنْ افْتَتَن” وقف الكاتب مشدوها بجرأة أمّة ضحّت بحاضرها من أجل مستقبلها؛ مؤمنة بفكرة؛ ضاربة بعرض الحائط أي ارتباط أو مصلحة عامة.
الفصل السادس عشر: “اِغْنَمْ فِي الدُّنْياَ ساَعَةً” ركز الكاتب في هذا الفصل على الجانب الأنثروبولوجي ” بالهنا” بما في ذلك الموسيقى (فن الشارع) وما يحققه من متعة للناس المارين أو الجالسين في معظم الساحات أو اللائذين بأفياء الظلال الوارفة بالحدائق الغنَّاء والأكل (البسطيلةـ البيتزا ـ البايلا إلخ). فالناس هنا عاشوا سنوات الظلام ويستمتعون بسعادتهم مما دفعه إلى أن يتحسر على تأخره في القيام بهذه الزيارة.
الفصل السابع عشر: “يَا طَلْعَةَ الْبَدْر الْأَكْمَل “هنا يعلن الكاتب وصوله إلى غرناطة وزيارته للجامع الكبير وقصر الحمراء… واندهاشه بجمال غرناطة ومفاتنها وبهاء أفضيتها وفتنة مزاراتها وغواية نسائمها، وروعة حدائقها. وإيحاءات بناياتها وإلهام طبيعتها.
الفصل الثامن عشر: ” يَا مَنْ يَهْوَى مَلِيحَ الُمِلاَحِ” هنا يصف زيارته للحمراء حيث الماء والخضرة وحيث معنى المُلْك والقصر ويسرد مسار انتقال وردة ” الجوري” من دمشق إلى” الهنا” ويبين أن التاريخ والاقتصاد وإن اختلفا يعودان صديقين حميمين متشافعين غير مفترقين.
دة. كريمة رحالي









































































PDF 2025


