كلنا نكره الأوجاع، وجميعنا نحاول تفاديها والابتعاد عن مسبباتها..
إلا أن الوجع الماثل في الصورة والمتمثل في رواية فتيل الوجع للكاتب والروائي المغربي, سيجعلك تتلذذ بما جادت به مخيلة هذا الروائي الشاب، الذي أتحفنا بهذا العمل المتميز؛ والذي يجمع بين الخيال الخصب، والقاموس اللغوي الغني بأرقى المفردات والعبارات التي تزخر بها لغة الضاد. السرد المشوق للأحداث والوقائع، خصوصا لما تقع هذه الأحداث في مدن وأماكن يعرفها القارئ ويعيش فيها وداخلها ويدري بشعابها، ويعرف طبيعة سكانها، هذا ما يجعل نسبة التشويق تزداد لدى المتلقي.
ينقلنا حميد الغماري بطل الرواية من مدينة تطوان، ثم المضيق ثم إلى قرية في أعالي جبال غمارة وهكذا دواليك إلى أن ألقى به الصيف في شاطئ أمتار، حدث هذا الارتحال في تشويق ممتع، بالأخص الأحداث المتعلقة بأعراف وتقاليد ونمط عيش سكان منطقة غمارة بشكل عام وقرية أمتار على وجه الخصوص. ولعل ما زاد من جاذبية الرواية كونها تنوالت جميع القطاعات الحيوية التي تساهم في التنمية السوسيواقتصادية للمنطقة، كقطاع السياحة والفلاحة والصيد البحري، وهذا ما سيجرني للحديث عن قطاع الصيد البحري، وهنا سأتحدث عن المقطع الذي تحدث فيه الكاتب عن المعاناة اليومية التي كان يواجهها بحارة الصيد التقليدي أثناء عمليات جر القوارب عند انتهاء رحلات الصيد.. هذه العملية الشاقة المرهقة والمنهكة لقوى البحارة، أوشكت بفضل تظافر جهود العديد من المتدخلين في القطاع، على أن تصبح ذكرى من الماضي..
أما عن الجانب العاطفي الذي تناولته الرواية، فمن خلال السرد التخيلي، ومواقف وعبارات التشبيه التي استعملها الكاتب تنم عن اطلاع الكاتب بدهاليز الغرام، ذلك أن القارئ للرواية سيصدق القول إذا قال إن الكاتب قد عاش أو عايش تجارب شبيهة للأحداث العاطفية التي تحدث عنها في روايته على لسان بطل الرواية، لأن تلك الدقة في الوصف وذلك الإحساس الدافئ المرافق له، لا يمكن أن ينبع إلا من ذاكرة التقطت صور الأحداث الغرامية بأدق التفاصيل.
وبالرجوع إلى الطريقة التي اعتمدها الكاتب في سرد الأحداث والتلاعب بالذكريات فهي تبين عن مدى تمكن الكاتب من العزف على أوتار الفقرات بشكل عذب وأنيق، فتارة يحدثنا في الواقع حتى نغوص معه، بعدها يأخدنا للماضي الذي عاشه البطل، أو للخيال الذي يترنح بين جدرانه.. والجميل أن كل ذلك تم بسلاسة أدبية لا نجدها سوى لدى كبار الكتاب والروائيين.
وخلاصة القول إن رواية فتيل الوجع مجهود أدبي ماتع، وتجربة رصد الوجع تستحق التنويه.
الحسين أوطالب









































































PDF 2025


