- من أبرز السّمات الأساسية التي تميّز بها الفكر الإصلاحي المغربي قبوله بالفكر الآخر شرقيه وغربيه، وقد كان علماء النخبة الوطنية ورواد النهضة الفكرية المغربية يتشوّفون لكل ما يصدر عن الحركات الإصلاحية المشرقية، المصرية منها على وجه الخصوص، كما اطلع الكثير منهم على نتاج الفكر الأوروبي، ووقف بعضهم على المعالم الفكرية لكثير من الدّول الأوربية.
- كانت الأصداء الإصلاحية في الشرق والغرب تصل إلى عمق الدّروب الفكرية المغربية بفاس وتطوان وطنجة والرباط وسلا وغيرها من شتى المدن، ولم تكن هذه الأصداء تجد منافذ للوصول إلا عبر أوعية الكتب، ودفّات المجلّات، وكانت الصحّف الصادرة من هناك بمثابة أوراق طائرة يتلهف لالتقاطها والتنافس في التهامها قراءة وتحليلا جلّ روّاد الفكر وأعلام الوطنية.
- يقربنا الفقيه محمد المنوني من مظاهر هاته الأصداء التي كانت تنتقل متقطعة إلى المغرب، «وبدأت من أوائل القرن العشرين تصل بانتظام، حيث تتأدى إلى المغاربة بواسطة الصحافة والكتب المشرقية… فكانت لهذه المصادر- على تنوعها- أثر في تزايد الشعور بواقع البلاد، وحاجتها إلى التطور في تفكيرها وسياستها وسلوكها، ولمعت هذه اليقظة أكثر في أربعة مدن، فاس العاصمة العلمية والاقتصادية والسياسية آنذاك، ثم طنجة القاعدة الدبلوماسية، ثم سلا والرباط».
- فيما يخصّ انفتاح النخبة الوطنية المغربية على بعض الكتب المشرقية، يوضح لنا أحد أعلام الحركة الوطنية وهو محمد بلحسن الوزّاني في مذكراته أثر هذه الكتب في الوسط الفكري المغربي، فيقول: « وقد كان لحركة الكتب الواردة من المشرق أثرها الكبير في الأوساط المثقفة المغربية التي كانت تتجلى فيها روح النهضة والتجديد، ويتقوّى فيها الشعور الوطني باستمرار، وبالرّغم ما كانت تتخذه السلطات الفرنسية من إجراءات المنع ضد الكتب المستنهضة للهمم، والمثيرة للمشاعر الوطنية، فإنّ أغلب وأهمّ هذه الكتب كانت تفد إلى المغرب، وتروّج بين الشّباب خاصّة، ولا سبيل إلى إحصائها ولو على وجه التقريب».
- 5. وقد سجّل عناوين بعض منها، وهي: «كتاب القضاء والقدر»، لجمال الدّين الأفغاني، «الرّد على الدّهريين» له أيضا، وكتاب: «العروة الوثقى»، لمحمد عبده، «الإسلام والنصرانية»، له أيضا، «الإسلام والرّد على منتقديه»، له أيضا، «العلمُ والمدنية»، له أيضا، «لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟» لشكيب أرسلان، «المرأة في الإسلام»، لمنصور فهمي، «مجموعة خطب سعد زغلول»، «النّظرات» و«العبرات» للمنفلوطي، «أمّ القرى»، لعبد الرحمان الكواكبي.
- أمّا بخصوص الصحف والمجلات الواردة فإنّ تأثيرها في الوعي الإصلاحي المغربي لا يخفى، وعن هذا التأثير يقول عبد الإله بلقزيز: «ولا يستطيع مؤرخُ الفكر وهو يعرض لمظاهر التأثير الفكري المشرقي في المغرب أن يغفل دور الصّحافة العربية الوافدة إلى المغرب في تحقيق نصيب عظيم من ذلك التأثير، خاصةً في بداية القرن العشرين، وتكفي تسمية بعض تلك الصحف والمجلات الواردة لبيان ما قلناه، فلقد كانت منها: “المنار” التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا “والأهرام ” و”الوطن” البيروتية و”اللواء” و”المؤيد“، فضلا عن أنّه كان لهذه الصحف مراسلون مغاربة وكتاب حرّروا مقالات نشر بعضها».
7.وبين أيدينا نماذج كثيرة من أعلام الفكر المغربي الذين شغفوا كثيرا بتلكم الصحف الوافدة، فهذا العلامة عبد الله كنون يقول: « فكانت الكتب والمجلاّت والصحف تفدُ علينا من المشرق، نطلّع فيها على ما لا نعثرُ عليه عندنا، هذه الصّحف والمجلاّت كنا نحصل عليها بصعوبة، لا لأنها كان ممنوعة، ولكنها قليلة، فالتوزيع غير منظّم، ونحن الذين كنا دائماً نقترح على الكتبي أن يأتينا بهذا الكتاب أو ذاك من الكتب التي نجدها في قوائم الإعلانات، وكانت أعظم مجلة في نظري هي [المقتطف] التي أدت مهمةً للغة العربية والمثقف العربي، هناك (الأهرام) (الجامعة العربية ) وكانت تصدُر بالقدس عن الهيئة العربية العليا».
- عرف المغرب توافد كثير من رجالات الصحافة المشرقية والذين كان لبعضهم دور في إثراء الفكر المغربي كما هو حال الصحافي المصري علي زكي، (ت: 1347 ه 1929 م): الذي يقول عنه الفقيه المنوني: «قام علي زكي هذا بمساعدة هامّة للوفد المغربي أثناء انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء، وعمل لإذكاء روح المقاومة لدى هذا الوفد، ويبدو أنّ هذا الصحفي لعب دوراً هاما ًفي تحضير المشاريع التي تقدم بها الوفد المغربي».
- كما كان حضور بعض رجالات الصحافة اللبنانية وإسهاماتهم الفكرية قوية في هذا المجال، ونسجل في هذا السياق أسماء لبنانين كثر، أصدروا مجلات وجرائد من مدينة طنجة، منهم على سبيل المثال: الشيخ نعمة الله الدحداح، الذي أنشأ “جريدة الفجر”، والأخوان فرج الله وأرتور نمّور اللذان أصدرا جريدة “لسان المغرب”، وديع كرم الذي عمل مساعدا لرئيس تحرير “جريدة السعادة” الشهيرة، وأصدر “جريدة ومجلة الصباح”، وفي دراسته التي أعدها الدكتور رشيد العفاقي عن “الصحافة اللبنانية المهاجرة إلى طنجة سنة (1889-1911 م)” حديث مسهب عن دور هاته الشخصيات، وتأثيرها الفكري والسياسي.
د. محمد شابو









































































PDF 2025


