ابن رشيق
2- قراضة الذهب 1/2:
أما “قراضة الذهب” فكانت مجالا للتطبيق والتحليل المتأني الذي يفسح المجال واسعا لإظهار قدراته ومهارته النقدية. ويتأكد هذا الغرض إذا علمنا أن القراضة بأكملها رد على خصم ادعى السرَق على ابن رشيق في بيتين من الشعر؛ فقد كان ابن رشيق رثى المعز بن باديس (ت 438 هـ) بكلمة منها: [الطويل]:
| 1.أَلَم تَرَهُمْ كَيْفَ اسْتَقَـلُّوا بِهِ ضُحىً | إلى كَنَــفٍ مــن رَحْمَةِ اللَّهِ واسِــعِ |
| 2.أماَمَ خَميسٍ مَـاجَ في البَرِّ بَحْـرُهُ | يَــســيرُ كمَــــتْنِ اللُّجّـَـــــةِ الــمُـتـدافِعِ |
| 3.إذَا ضَـرَبَـتْ فيه الـطـبولُ تـتَابَعـتْ | بِـهِ عـَذَبٌ تَحْكِي ارتِعادَ الأصابعِ |
| 4.تَجَـاوُبَ نَـــوْحٍ بَــاتَ يُنْدَبُ شَــجْـوُهُ | وأَيْدي ثَكَالَى فُوجِئَتْ بالــفَواَجِـعِ([1]) |
واستحسن منها أبو الحسن عليُّ بنُ القاسم اللَّواتيُّ البيتين الأخيرين فعارضه، في ذلك، بعضهم بأن ادعى عليهما السرقة من بيتين لأستاذ ابن رشيق: عبدِ الكريم النَّهشلي حيث يقول: [المنسرح]:
| قَـد صـاغَ فيهِ الغَمامُ أدمُـعَه | دُرًّا وروَّاهُ جَــدْوَلٌ غَــــمْرُ |
| يَجــــيشُ فيهِ كَأَنَّـــــما رَعَــــشَتْ | إِلـيـكَ مِنْهُ أَناَمِلٌ عَــشْرُ([2]) |
فكتب ابن رشيق هذه الرسالة إلى علي القاسم اللَّواتي يرد بها على المعترض.
ويمكن تقسيم الرسالة/الكتاب إلى أربعة محاور:
ا- الأول جاء في إطار الرد على المعترض، ويوضح فيه ابن رشيق الفرق بين المعنى العام واللفظ المشترك من جهة، وبين المعنى الخاص من جهة أخرى([3]).
ب- الثاني يتحدث فيه عن ضرب خاص من ضروب الأخذ أو “السرقة” ينعته ب”فتح المعاني“، وهو أن يتناول الشاعر لفظا لمعنى شاعر ما، وينقله إلى معنى آخر مخالف لذلك المعنى.([4]).
ج- الثالث يبين فيه محاكاة الشعراء لامرئ القيس في معنى خاص به([5]).
د- أما الرابع فيتحدث فيه عن أهم ضروب الأخذ([6]). وسنتناول أسفله كل محور بشيء من التفصيل:
أ- المعنى العام والخاص:
يميز ابن رشيق في رده على المعترض بين المعنى العام، – ويسميه أيضا “اللفظ المشترك”([7])-، وبين مجموعة من المعاني الخاصة المختلفة فيما بينها، رغم أنها جميعها تؤول، في النهاية، إلى ذلك المعنى العام؛ فبيتا ابن رشيق وأستاذه النهشلي، يقرر ابن رشيق بأنهما متشابهان في المعنى الذي هو “الارتعاش” ولكن القصد غير واحد: «فما الذي يُشبِه أنامل شيخ قائمة تَرتَعِش كِبَرا حتى شبَّه عبد الكريم بها ذلك الزَّبَد المُقَبَّب منبَعِثًا عن مَسقِط النهر، مِن أصابع ثكالى مبسوطةٍ ترتعدُ طيشا وجزعا عند مفاجأة المصيبة على عادات النساء، شَبَّهتُ أَناَ بها تلك العَذَبَ الخافقة»([8]).
ويذهب ابن رشيق إلى أبعد من هذا، في سرده لمجموعة من الأبيات تشتمل على نفس المعنى العام (الارتعاش، الارتعاد، حركة اليد…) بمقاصد مختلفة، ليؤكد أن التفاضل إنما يقع في هذه المقاصد الخاصة. ويتتبع في هذه العملية “شجرة نسب المعنى” بأنْ ردَّه إلى أصله الأول: “أمرئ القيس”. وفي هذا يقول للذي ادعى عليه السرق: «وهلا نظر إلى قول إمام الشعراء امرئ القيس [الطويل]:
* كَلَمْعِ اليَدين في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ*
فَعَلِمَ أن الأخذ منه أقرب والوقوع تحته أشرف؟ ولو عُدّ مثلُ هذا سرقة لم يسلم من الكلام شيء»([9]). فدل بذلك على أن شعر امرئ القيس هو النص الأصل hypotexte الذي تتفرع عنه جميع النصوص الأخرى hypertextes، (إذا جاز لنا أن نستعمل مصطلح جيرار جنيت)، سواء في معنى (حركة اليدين) السابق أو في المعاني الأخرى. وهكذا قدم ابن رشيق عشرات الأمثلة لتوضيح كيفية تعامل الشعراء في “سرقاتهم” من أمرئ القيس، مع المعنى “المسروق”؛ ففي معنى (حركة اليدين، أو الارتعاش) وحده، والذي تناوله امرؤ القيس بطريقته الخاصة، ذكر حوالي اثني عشر مثالا، أو اثني عشر معنى، كلها معان خاصة تفرعت عن المعنى الخاص الأصل في “شطر” أمرئ القيس السابق، مثَّلَها الشعراء (أبو نخيلة، أبو نواس، ابن المعتز، أبو الشيص، ابن الـمُغَلِّس، عبد الله بن العباس الربيعي، عبد الكريم النهشلي، ابن رشيق، ابن المُفْلِس)، فمن ذلك قول عبد الله بن العباس الربيعي يصف برقا: [المتقارب]:
| كأَنَّ تَقَــلُّــبَـــهُ في السـمَا | يدَا كاتِبٍ أَوْ يَدَا حَاسِبِ([10]) |
وقولُ أبي نُخَيلةَ في وصف الشمس: [الرجز]:
*والشَّمْسُ كالمِرآة في كَفِّ الأشلّْ*([11])
وقولُ الحسن بنِ أحمدَ بنِ المَغَلِّسِ يذكر الشمع[المتقارب]:
| كأن الشموع وقد أَطلَعَـــتْ | مِنَ النَّار في كُلِّ رُمْحٍ سِنانا |
| أَنَـامـِلُ أَعْدائِكَ الخائـفــينَ | تَــضَرَّعُ تطلُبُ مِنكَ الأَمَانـا([12]) |
فهؤلاء وغيرهم، بينهم، في الموضوع والقصد، من الاختلاف ما لا يخفى، وإن اتفقوا جميعا في اتخاذ (حركة اليدين) بعضا من السبيل إلى التعبير عن ذلك؛ والسرقة لا تكون إلا فيما هو خاص، و«أهل التحصيل مجمعون على أن السرقة إنما تقع في البديع النادر والخارج عن العادة، وذلك في العبارات التي هي الألفاظ»([13]). فلا تكون السرقة محمودة إلا إذا تصرف فيها السارق تصرفا حسنا بالزيادة وغيرها، والمجيد له فضله والمقصر عليه تقصيره([14]). ولما كان الأمر كذلك، فإن البحث ينبغي أن يتجه، في نقد السرقة، لا إلى المعاني العامة، بل إلى المظهر اللغوي للنص؛ أي إلى ناحيته الشكلية القابلة للقياس([15]). وحتى في هذه الحالة ينبغي التمييز بين الألفاظ المشتركة (بين جميع الناس)، وبين البديع النادر الخارج عن العادة الذي يختص به شاعر دون آخر. ومن هنا عمد ابن رشيق إلى تنويع الأمثلة من بديع ونادر امرئ القيس الذي نجح الشعراء أو أخفقوا في أخذه والتصرف فيه، أو تحاموه وعجزوا عن الإتيان بمثله. وهكذا اتجه إلى التمثيل بالأوجه البلاغية متمما، ربما، ما سبق وأن أشار إليه القاضي الجرجاني([16]) من ضرورة النظر إلى الناحية الفنية في السرقة، حاصِراً، بشكل واضح، موضوع السرقة في هذه الناحية البلاغية، فذكر أمثلة للاستعارة([17]) والتشبيه([18]) والمجاز([19]) والمبالغة([20]) والتتميم والاحتراس([21]) والإشارة والتتبع (الإرداف) والإيجاز([22]) والالتفاف([23]) والمحاورة([24]). وكانت شخصيته في كل هذا حاضرة في انتقاء الأمثلة من شعر امرئ القيس ، والبحث عن نظائرها في شعر الجاهلية والإسلام، وفي الشرح وإصدار الأحكام المبنية على التحليل والتعليل… فقد وجد أن من المعاني الخاصة بامرئ القيس([25])، ما لم يستطع أحد لا الزيادة عليها ولا احتذاءها، ومنها ما كانت فيها الزيادة الحسنة أو المقصرة([26])، ومنها ما احتذى فيه الشعراء امرئ القيس في الطريقة، أو الوجه البلاغي دون المعنى، ومنها ما أتوا فيه بالمعنى دون اللفظ ومنها ما قصروا فيه عنه، ومنها ما وقع فيه اللبس([27])…وعموما فإن وجوه التقصير والوقوع دون مرتبة المأخوذ منه هي المهيمنة على هذه الأمثلة في نظر ابن رشيق. ومن تطبيقاته في هذا المجال قوله: «ومن مبالغته [يقصد امرأ القيس] المشهورة قوله: [الطويل]:
| مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحوِلٌ | مــن الذَّرِّ فــوق الإِتْبِ منــها لأَثَّـرا([28]) |
أخذه حسان رضي الله تعالى عنه فقال: [الخفيف]:
| لَوْ يَدِبُّ الحوليُّ من ولَدِ الذَّرْ | رِ عليها لأَنْدَبَتْـها الكُلُومُ([29]) |
فقصر عنه كثيرا لأن امرأ القيس قال (فوق الإتب) وهو ثوب كالبقيرة، وأيضا فإن في بيته معنى متقدما وهو قوله “من القاصرات الطرف” أراد أنها منكسرة الجفن خافضة النظر غير متطلعة إلى ما بعد، ولا ناظرة إلى غير زوجها كما قال أهل التفسير([30])، ويجوز أن يكون من القاصرات الطرف بمعنى طرف الناظر إليها أي لا يتجاوزها بالنظر…وتناول ابن المعتز ما تناوله حسان بن ثابت من بيت امرئ القيس وتجاوز الحد فقال: [السريع]:
| رَقَّ فَــلــوْ مـرَّتْ بِـهِ ذَرَّةٌ | فِي رِجْــلِها نَــعْلٌ مِنَ الـوَرْدِ |
| لَمَزَّقــــــــَتْ ديبَاجَتَـــيْ خَــدِّهِ | مِنْ غَيْرِ أَنْ جَازَتْ علىَ الخَدِّ “([31]) |
[1] – نفسه؛ 13. و”يُنْدَبُ شجوُه” كذا ضبط الفعل مبنيا للمجهول، والصحيح بناؤه للمعلوم: يَندُب شجوَه”. كما يقال (بكى فلان شجوَهُ)؛ ينظر؛ -التاج (شجا).
[2] – نفسه؛ 13-14. وفي – المختار من شعر بشار[ المنسوب للخالدين ]؛ 317.
[3] – نفسه؛ 14-43.
[4] – نفسه؛ 43-48.
[5] – نفسه؛ 49-54.
[6] – نفسه؛ 54-120.
[7] – هو معنى عام قد يأتي باللفظ وغير اللفظ كما يقول ابن رشيق – قراضة الذهب؛ 15.
[8] – نفسه؛ 14.
[9] – نفسه؛ 15 . وصدر بيت امرئ القيس هو: “أَحارِ ترى برقا أُريكَ وَمِيضَهُ”، الديوان؛ 24.
[10] – نفسه؛ 16. والأغاني؛ 19: 182.
[11] – نفسه. وديوان المعاني، أبو هلال العسكري؛1: 359.
[12] – نفسه 17، ووفيات الأعيان، ابن خلكان؛ 5: 122.
[13] – نفسه؛ 20.
[14] – نفسه؛ 19.
[15] – كان د. أمجد الطرابلسي من الأوائل الذين نبهوا بشكل جلي إلى اهتمام النقاد العرب بالناحية الشكلية في الشعر. ينظر: – نقد الشعر عند العرب؛131.
[16] – يوحي بذلك أيضا تنويهه به في مقدمة العمدة كما سبقت الإشارة .
[17] – قراضة الذهب؛21-24.
[18] – نفسه؛ 24-28.
[19] – نفسه؛ 29-30.
[20] – نفسه؛31-32-34-36.
[21] – نفسه؛ 33.
[22] – نفسه؛ 36-37.
[23] – نفسه؛ 40-41.
[24] – نفسه؛ 42.
[25] – نفسه؛ 24-30-41.
[26] – نفسه؛21-22-32.
[27] – نفسه؛ 22-23-24-25-29-31-34.
[28] – ديوان امرئ القيس ؛68.
[29] – ديوان حسان بن ثابت؛1: 40. وينظر الشرح في ديوانه 2: 30.
[30] – يقصد مفسري القرآن الكريم للآيات التي وردت فيها هذه الكناية، ينظر: الصافات؛ 48، ص؛ 52. الرحمن؛56. وذكر ابن منقذ “أخذ” القرآن الكريم عن امرئ القيس عن طريق الإيماء في باب التقفية – البديع 398.
[31] –قراضة الذهب؛ 34-35.
د. المختار حسني









































































PDF 2025

