أدارت المفتاح، هدها طول السفر، لا تفكر في أي شيء الآن غير الارتماء على كنبة، سرير، سداري لإراحة جسمها المنهك، وغرقت في سبات عميق.
تفتح عينيها بصعوبة، يفاجئها ظلام دامس وصمت مريب، أشعلت البورتابل، بالكاد تتنبه إلى المفتاح الوردي الذي بجانبها، وينبلج الظلام بلمسه.
كل شيء على ما يرام. لحسن الحظ، هذه المرة، طابقت هيئة الغارسونيير ما تم الإعلان عنه في موقع الخدمة الإلكتروني. إنها بداية واعدة، ربما ستنسيها المرة السابقة، ناهيك عن مرات أخرى كثيرة أصابتها بإحباط مرعب، إذ ما أن تجاوزت عتبة الباب حتى غلى الدم في عروقها من شدة غضب الغبن، وطفق الهاتف يشتغل للاحتجاج والمطالبة بتصحيح الوضع. قالت لذلك المجهول الذي يتكلم معها بفرنسية هجينة:
-لماذا تتعاملون مع زبنائكم هكذا ؟ وأردفت وصوتها متهدج كمن ينتحب :
-إنكم بمثل هذا التعامل تزدروننا، تعطلون عطلتنا، تقلقون راحتنا بدل السهر عليها…وأقفلت التيلفون بحدة ليست من عادتها..
فضول جرفها، فتحت النافذة المطلة على شارع رئيسي، أطلت، لم يبق به غير مارة قليلين لفظتهم مطاعم آخر الليل، هواء منعش، أغراها بإطالة الإطلالة حتى الشبع، استعادت شيئا من حيويتها والتقت مع بهجة الوحدة المفتقدة في البيت كما في مقر العمل. أفرغت حقيبة الظهر الرمادية، لتستقر رزمة الكتب على الزربية: الإيرانية أم الأزبكستانية أم القوقازية..؟ صعب عليها تحديد جنسيتها.
طار الخريف، فالشتاء ثم الربيع دون أن تظفر بوقت لنفسها ، بين ضغط العمل وأعباء الأسرة، اقتنت عدة كتب من معارض وتوصلت بالبعض الآخر كهدايا من أصدقاء، “لكن يا ربي أين هو الوقت لصحبة الكتاب”، كانت تشكو وهي تطوي اليوم لتواجه آخر ولا فسحة تفيض عن الوقت.
اختارت واحدا، فتحته، وضعته بين كفيها، فانفتح عالم آخر أمامها، اجتاحتها رعشة الانتشاء، غرقت في موجاتها ليطل الصباح تراقصت الكتب مع خيوط أشعة اليوم الأول في أسبوع عطلة حافل بالمتع: “لم أعش مثله من قبل وأتمنى أن يتكرر وأن لا يكون استثناء”، قالت نادين لصديقتها المفضلة وفاء بعد أسابيع وهما يحتفلان بعيد ميلادها الأربعين.
عبد الحي مفتاح









































































PDF 2025

